الشنقيطي

531

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

جاء موضحا في غير هذا الموضع كقوله تعالى لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ - إلى قوله - وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ( 124 ) [ النساء : 123 - 124 ] . وقوله : حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ ، الأظهر أنه الموت لأنه ينقطع به العمل . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ( 14 ) هو الشيطان وعبر عنه بصيغة المبالغة ، التي هي المفعول لكثرة غروره لبني آدم ، كما قال تعالى وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً ( 120 ) [ النساء : 120 ] . وما ذكره جل وعلا وفي هذه الآية الكريمة ، من أن الشيطان الكثير بالغرور غرهم باللّه ، جاء موضحا في آيات أخر كقوله تعالى في آخر لقمان : إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ( 33 ) [ لقمان : 33 ] ، وقوله في أول فاطر يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ( 5 ) إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ ( 6 ) [ فاطر : 5 - 6 ] وقوله تعالى في آية لقمان وآية فاطر المذكورتين إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ . وترتيبه على ذلك النهي عن أن يغرهم باللّه الغرور ، دليل واضح على أن مما يغرهم به الشيطان أن وعد اللّه بالبعث ليس بحق ، وأنه غير واقع ، والغرور بالضم الخديعة . قوله تعالى : فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا [ 15 ] . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة آل عمران في الكلام على قوله تعالى : فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ [ آل عمران : 91 ] وفي غير ذلك من المواضع . قوله تعالى : * أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ( 16 ) [ 16 ] . قد قدمنا مرارا أن كل فعل مضارع في القرآن مجزوم بلم ، إذا تقدمتها همزة الاستفهام كما هنا فيه وجهان من التفسير معروفان . الأول منهما : هو أن تقلب مضارعته ماضوية ، ونفيه إثباتا ، فيكون بمعنى الماضي المثبت ، لأن لم حرف تقلب المضارع من معنى الاستقبال إلى معنى المضي ، وهمزة الاستفهام إنكارية فيها معنى النفي ، فيتسلط النفي الكامن فيها على النفي الصريح في لم فينفيه . ونفي النفي إثبات ، فيرجع المعنى إلى الماضي المثبت . وعليه فالمعنى ، أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ : أي آن للذين آمنوا .